المحتوى
المادة متاحة في الملف المرفق.
يتناول هذا العرض النظام القانوني للتفويض الإداري بالمغرب، باعتباره آلية أساسية لتحديث الإدارة وتفعيل مبدأ اللامركزية واللاتمركز الإداري، حيث يساهم في تخفيف عبء الاختصاصات والمسؤوليات عن المسؤولين، وتمكين المرؤوسين من ممارسة بعض الصلاحيات، بما يحقق السرعة والفعالية في اتخاذ القرارات وتقريب الإدارة من المواطنين.
يُعتبر التفويض استثناء من قاعدة ممارسة صاحب الاختصاص لاختصاصاته بنفسه، إذ يقوم على إسناد جزء من الاختصاص أو التوقيع أو التأشير على بعض القرارات إلى شخص آخر وفق شروط قانونية محددة. وينقسم التفويض إلى نوعين أساسيين: تفويض السلطة أو الاختصاص وتفويض الإمضاء أو التوقيع.
يقصد بتفويض السلطة أن يعهد صاحب الاختصاص الأصلي إلى شخص آخر بممارسة جزء من اختصاصاته، حيث ينتقل الاختصاص المفوض إلى المفوض إليه خلال مدة التفويض، ويصبح هذا الأخير مسؤولا عن ممارسة الصلاحيات المفوضة إليه. أما تفويض الإمضاء فيقتصر على السماح لشخص محدد بالتوقيع أو التأشير على قرارات تدخل ضمن اختصاص المفوض، دون انتقال الاختصاص ذاته.
ويؤكد العرض أن التفويض لا يمكن أن يكون مطلقا أو شاملا، لأنه لا يؤدي إلى التخلي الكامل عن الاختصاص، وإنما يجب أن يكون جزئيا ومحددا، باعتباره استثناء من الأصل العام الذي يقضي بأن صاحب السلطة يمارس اختصاصاته بنفسه.
ويتطلب التفويض توفر مجموعة من الشروط الموضوعية والشكلية. فمن الناحية الموضوعية، يشترط وجود نص قانوني يسمح بالتفويض، وصدور قرار صريح يحدد المفوض إليه ومضمون التفويض، إضافة إلى عدم شمول التفويض لجميع اختصاصات المفوض. وتقوم قاعدة أساسية هي: لا تفويض إلا بنص قانوني، حيث لا يمكن إصدار قرار بالتفويض إلا إذا وجد سند قانوني يجيزه.
أما من حيث الشروط الشكلية، فيجب أن يجسد التفويض في قرار واضح، وأن يتم نشره وفق القواعد القانونية المعمول بها. وقد ميز المرسوم رقم 2.22.81 المتعلق بتفويض السلطة والإمضاء بين كيفية نشر تفويض السلطة وتفويض الإمضاء، حيث تنشر قرارات تفويض السلطة في الجريدة الرسمية ويسري مفعولها من تاريخ نشرها، بينما يسري تفويض الإمضاء من تاريخ توقيعه وينشر في البوابة الوطنية للمساطر والإجراءات الإدارية وعند الاقتضاء في المواقع الإلكترونية للإدارات المعنية.
كما تناول العرض الأساس الدستوري والقانوني للتفويض، حيث أشار إلى أن دستور 2011 والقانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها يشكلان سندا قانونيا لممارسة التفويض داخل الإدارة. كما يسمح هذا القانون لرئيس الحكومة والوزراء بممارسة بعض أشكال التفويض في الاختصاص أو الإمضاء وفق شروط محددة.
وقد شكل صدور المرسوم رقم 2.22.81 المتعلق بتفويض السلطة والإمضاء تطورا مهما في هذا المجال، إذ وسع نطاق التفويض مقارنة بالمرسوم السابق رقم 2.05.768 الذي كان يركز أساسا على تفويض الإمضاء، بينما أصبح المرسوم الجديد يسمح أيضا بتفويض السلطة، خاصة لفائدة رؤساء الإدارات المركزية والبنيات الإدارية التابعة لها، في إطار تعزيز اللامركزز الإداري.
ومن أهم مستجدات هذا المرسوم أنه كرس البعد الترابي للتفويض، حيث أصبح بالإمكان تفويض بعض الاختصاصات إلى المسؤولين الجهويين والإقليميين ورؤساء المصالح التابعة لهم، مما يسمح بتقريب القرار الإداري من المواطنين وتحسين جودة الخدمات العمومية.
وبخصوص آثار التفويض، فإن تفويض السلطة يؤدي إلى انتقال ممارسة الاختصاص إلى المفوض إليه، ولا يجوز لهذا الأخير تفويض السلطة التي فوضت إليه، كما لا يجوز للمفوض ممارسة الاختصاص المفوض طوال مدة التفويض. ويمكن أن يكون التفويض لمدة محددة أو غير محددة، كما يمكن سحبه في أي وقت.
أما تفويض الإمضاء فيبقى ذا طابع شخصي، لأنه يمنح لشخص معين بالاسم، ولا يمنع المفوض من ممارسة التوقيع بنفسه، كما لا يجوز للمفوض إليه تفويض إمضائه لشخص آخر، وتبقى القرارات الصادرة في إطار هذا التفويض منسوبة إلى صاحب الاختصاص الأصلي.
وقد خلصت المناقشات إلى أهمية توحيد المصطلحات القانونية المتعلقة بالتفويض، والتمييز بين تفويض السلطة ونقل السلطة، وتسريع تفعيل آليات التفويض باعتبارها وسيلة ضرورية لإنجاح ورش اللامركزز الإداري. كما تمت مناقشة مسألة المسؤولية بين المفوض والمفوض إليه، حيث يتحمل المفوض إليه مسؤولية الأعمال التي تدخل ضمن الاختصاصات المفوضة إليه، مع بقاء مسؤولية المفوض في حدود الإشراف والمراقبة
المادة متاحة في الملف المرفق.