المحتوى
الجزء الأول :
يعد قانون المسطرة الجنائية الإطار القانوني المنظم لاستعمال الدولة لحقها في العقاب وضابطا لمختلف مراحل الدعوى العمومية من البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي إلى المحاكمة وتنفيذ الأحكام وفي هذا السياق، صدر القانون رقم 03-23 المعدل والمتمم لقانون المسطرة الجنائية رقم 22-01 ، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 سبتمبر 2025 ليشكل أعمق إصلاح تشريعي عرفه هذا القانون منذ اعتماده سنة 2002.
وقد هم هذا التعديل الشامل أزيد من 420 مادة بين تغيير وتتميم وإضافة وتعويض وحذف، في إطار تنزيل إصلاح منظومة العدالة الجنائية، وملاءمة التشريع الوطني مع مقتضيات دستور ،2011 ، وتعزيز استقلال السلطة القضائية، خاصة بعد نقل صلاحيات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل في مجال السياسة الجنائية إلى رئيس النيابة العامة كما يعكس هذا القانون التزام المغرب بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وبالاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمحاربة الجريمة الوطنية والعابرة للحدود
ويتميز قانون المسطرة الجنائية في حلته الجديدة بتكريس فلسفة حقوقية متقدمة، حيث نص في ديباجته لأول مرة على كونه “الشريعة العامة" المنظمة للقواعد المتعلقة بالعدالة الجنائية مؤكدًا على مبدأ لا عقوبة إلا بحكم قضائي صادر عن جهة مختصة. كما عزز ضمانات المحاكمة العادلة من خلال ترسيخ مبادئ قرينة البراءة، وحقوق الدفاع، والمساواة أمام القضاء، والشك يفسر لفائدة المتهم واحترام الآجال المعقولة والفصل بين سلطات الاتهام والتحقيق والحكم ومن أبرز مستجدات هذا القانون توسيع نطاق الرقابة القضائية على أعمال الشرطة القضائية وتأهيل الضمانات المرتبطة بالحراسة النظرية والتفتيش والاستنطاق، والاعتقال الاحتياطي والتقاط المكالمات والاتصالات بما يضمن المشروعية الإجرائية وحماية الحقوق والحريات الفردية. كما أولى أهمية خاصة لحقوق الضحايا، والحق في الطعن وإعادة الإدماج من خلال إدراج آليات حديثة كالتخفيض التلقائي للعقوبات، وتشجيع السلوك الإصلاحي داخل المؤسسات السجنية.
ويجسد هذا القانون التوازن الدقيق بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق الأساسية، باعتباره أداة لتحقيق الشرعية الإجرائية وسمو القانون إذ إن سلامة الإجراءات تشكل المدخل الحقيقي التحقيق العدالة الجنائية. ومن هذا المنطلق يتناول هذا المؤلّف تحليل المحاور الكبرى لقانون المسطرة الجنائية في صيغته الجديدة من خلال دراسة الدعوى العمومية والبحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي، وتنفيذ الأحكام في مقاربة تجمع بين التحليل القانوني والبعد الحقوقي، وتسعى إلى إبراز رهانات التطبيق العملي في بناء دولة الحق والقانون.
